منصور بن أحمد الهروي

17

منية الراضي في رسائل القاضي

ومساءاتها « 1 » . ومع ما ينبغي في مثل هذه الرسائل من الافتنان والتصرف ، ينبغي أيضا ألا يغرق الشاكر في الشكر ، وهو ما انحدر إليه الهروي ، فبدا متملّقا يتكسّب « 2 » . 3 - وبدأ الباب الثالث في الممادح والأثنية برسالة طويلة ، أسهبت في الثناء على فضل الممدوح وشهامته وعقله وصرامته وطهارة خلائقه ، وكأنه « أمة في شخص رجل ، وجماعة في صورة فرد ، وعالما في تركيب إنسان » ، بل هو إنسان « يقلّ العالم في قدره » ، ورجل « يضلّ الدهر وأبناؤه في حواشي صدره » . ثم أمطرته بسيل متدفق من الممادح ، فتحدثت عن بيته وأنه من أشرف بيوت خراسان وأمجدها ، كما تحدثت عن همته وشرفه وإفضاله وحضرته ذات المعالي والمحامد ، وكرمه الذي « يملك الرقاب بمساعيه ، وتنطق الألسنة بذكر أياديه » ، وكل ذلك ظاهر العيان ، واضح الآثار ، لا حاجة إلى إقامة دليل عليه « 3 » ، وهذه المعاني قريبة من معاني الباب السابق في الشكر ، وتشبهها أيضا في إفراطها ومبالغاتها وكثرة صورها . ويتساوى القدر السابق من رسالة المدح والنصف الأخير من هذا الباب ، وعنوانه : « في العناية » ، والشائع أن يطلق عليه لفظ « الشفاعة » ، وقد استعمل القلقشندي اللفظين معا عند حديثه عن هذا النوع من المكاتبات « 4 » . والمرجح أن ما كتب في « منية الراضي . . . » تحت هذا العنوان ، إنما هو عدة فصول متفرقة في العناية والشفاعة ، دون فاصل يفصل كلا منهما عن الآخر ، فقد بدئ بالثناء على الشيخ ، وهو المشفوع إليه ، ثم ثنّى بالحديث عن المشفوع له : « وتصل هذه الأحرف من جهة فلان ، وهو . . . » وأخذ يشهد بمناقبه ، إلى أن قال هذا الفصل على لسان الهروي ، وهو الشافع : « وقد أصحبته هذه الأحرف دالا على حاله ، ومستدعيا له الحظّ الأوفر من رأى الشيخ وإفضاله ، وإذا تطوّل به جرى على سنّة طالما سارها ، وطريقة من المجد قديما رفع منارها » . وانتهى هذا الفصل ليبدأ فصل جديد ، أوله أيضا ثناء على المشفوع إليه : « سحائب إنعامه لأهل الفضل ماطرة ، وبحور أياديه لأهل العلم زاخرة . . . » إلى أن قال بعد أن أطنب وبالغ ،

--> ( 1 ) انظر ما يلي : ص 70 - 71 . ( 2 ) انظر ملحوظات أبى هلال العسكري عما يكتب في أبواب الشكر والاستعطاف والاعتذار : كتاب الصناعتين 157 - 158 . ( 3 ) انظر ما يلي ، ص 75 - 80 . ( 4 ) انظر الشفاعات والعنايات ، وهو النوع الرابع من المكاتبات الإخوانية ، في صبح الأعشى 9 / 124 - 142 ، 204 - 212 .